عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

34

اللباب في علوم الكتاب

ومن الناس من قال : التوجّه إلى بيت المقدس صار منسوخا بقوله تعالى : « وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ » ثم إن ذلك صار منسوخا بقوله : « فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ » . واحتجوا عليه بالقرآن والأثر . أما القرآن فهو أنه تعالى ذكر أولا قوله : « وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ » ] « 1 » ثم ذكر بعده : سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها [ البقرة : 142 ] ثم ذكر بعده : « فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ » . وهذا الترتيب يقتضي صحّة المذهب الذي قلناه بأن التوجّه إلى بيت المقدس صار منسوخا بقوله : « فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ » . فلزم أن يكون قوله تعالى : « سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ » [ متأخرا في النزول والدرجة عن قوله تعالى : « فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ » فحينئذ يكون تقديمه عليه في الترتيب على خلاف الأصل ، فثبت ما قلناه . وأما الأثر فما ] « 2 » روي عن ابن عباس أن أمر القبلة أول ما نسخ من القرآن ، والأمر بالتوجه إلى بيت المقدس غير مذكور في القرآن ، إنما المذكور في القرآن « وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ » فوجب أن يكون قوله : « فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ » ناسخا لذلك ، لا للأمر بالتوجّه إلى « بيت المقدس » . قوله : « فَلَنُوَلِّيَنَّكَ » : فلنعطينّك ولنمكننّك من استقبالها من قولك : ولّيته كذا ، إذا جعلته واليا له ، أو فلنجعلنّك تلي سمتها دون سمت بيت المقدس . قوله : « ترضاها » فيه وجوه : أحدها : ترضاها : تحبّها وتميل إليها ؛ لأن الكعبة كانت أحبّ إليه من غيرها بحسب ميل الطبع ، وتقدم كلام القاضي عليه وجوابه . وثانيها : « قبلة ترضاها » أي : تحبها بسبب اشتمالها على المصالح الدينية . وثالثها : قال الأصم : أي : كل جهة وجّهك اللّه إليها ، فهي لك رضا لا يجوز أن تسخط كما فعل من انقلب على عقبيه من العرب الذين كانوا قد أسلموا ، فلما تحولت القبلة ارتدوا . ورابعها : « ترضاها » أي : ترضى عاقبتها ؛ لأنك تعرف بها من يتبعك للإسلام ، ممن يتبعك لغير ذلك من دنيا يصيبها ، أو مال يكتسبه . قوله : « فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ » « ولّى » يتعدى لاثنين :

--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) سقط في أ .